الشيخ محسن الأراكي

38

نظرية الحكم في الإسلام

أنّ طبيعة المجتمع البشري طبيعة متغيّرة غير ثابتة على حال ، ممّا يؤثّر - في كثير من الأحيان - على خارطة الانتماءات والأهواء السياسية والاجتماعية ، والتحيّزات الفئوية والحزبية . فقد تنقلب - بسبب هذه التغيّرات الطبيعية - الأكثرية إلى أقلّية في فترات زمنيّة قصيرة ! وبذلك يفقد التمثيل الأكثري رصيده الاجتماعي ، فإنّ هناك ما لا يقلّ عن نوعين من التطوّر والتغيّر لا ينفكّ عنهما المجتمع : أحدهما : التغيّر السكّاني ، فإنّ هناك طبقة من الشيوخ والكبار تلتهمهم المنيّة ، وينقص من نفوس المجتمع بنسبة أعدادهم باستمرار ، وهناك طبقة جديدة من الشباب الجدد يدخلون حلبة الحياة الاجتماعية ، وتزداد نفوس المجتمع بنسبة أعدادهم بصورة مستمرّة . وبهذا يصبح الوجود الاجتماعي وجودا متموّجا غير مستقرّ بين حين وآخر ، وكثيرا ما يؤثّر هذا التغيير على توجّهات المجتمع السياسية والفكرية ، وتصبح الحالة الجديدة الغالبة مختلفة مع الحالة السابقة تماما ، فلا يصحّ افتراض السلطة الممثّلة للغالبية القديمة ممثّلة للغالبية الجديدة بنفس النسبة من التمثيل . وكثيرا ما تنقلب النسبة ، فتكون السلطة التي مثّلت الغالبية القديمة غير ممثّلة في الوضع الجديد إلّا لأقلّية تخالفها أكثرية غالبة . ثانيهما : نوع آخر من التغيّر والتطوّر لا تنفكّ عنه الحالة الاجتماعية غالبا - وإن اختلفت بحسب الظروف من حيث السرعة والبطء - ، وهو تغيّر المجتمع وتطوّره في أفكاره وقناعاته وتوجّهاته ، فقد تكون هناك قناعة غالبة تؤدّي إلى انتخاب الغالبية لجهة معيّنة ذات توجّهات فكرية وسياسية خاصّة ؛ لكنّها تتبدّل بسرعة - أحيانا - بفعل ما تمارسها السلطة من أخطاء ، أو بفعل متغيّرات أخرى ، فتغيّر قناعات الغالبية من الناس إلى قناعات تناقض القناعات الأولى ، وقد يحصل هذا التغيّر في فترة زمنية قياسية لا تعدو الأشهر . وبذلك لا تكون السلطة ممثّلة للغالبية تمثيلا حقيقيا وإن كانت ماسكة بزمام السلطة ، فارضة نفسها على المجتمع .